ابن هشام الأنصاري
33
أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
والثّاني : التّعدية ، نحو : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ( 1 ) أي : أذهبه . والثالث : التّعويض ، ك ( بعتك هذا بهذا ) ( 2 ) .
--> - بالقدوم ) ألا ترى أن القلم في مثال المؤلف آلة للكتابة ، وأن القدوم آلة للنجارة ؟ وهل الباء في البسملة من هذا القبيل مجازا ؟ قولان ذكرهما الزمخشري ، أحدهما أن الباء فيها للآلة مجازا ، لأن الفعل لا يتأتى على أتم وجه وأكمله إلا بالاستعانة باللّه ، والثاني أن الباء فيها للمصاحبة ، وذلك تحاشيا من سوء الأدب مع اللّه جل جلاله أن يجعل آلة ولو مجازا . ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 17 ، وقد قرىء في هذه الآية أذهب الله نورهم وبهذه الآية الكريمة رد العلماء على المبرد والسهيلي اللذين زعما أن بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء فرقا . وحاصله أنك إذا عديت الفعل بالباء كان فاعل الفعل مصاحبا لمدخول الباء ، ولا يلزم ذلك في التعدية بالهمزة ، فإذا قلت ( ذهبت بزيد ) كنت مصاحبا لزيد في الذهاب ، والرد بالآية واضح . ( 2 ) باء التعويض تسمى باء المقابلة أيضا ، وعلامتها أن تكون داخلة على الأعواض والأثمان حسا أو معنى ، فأما التي دخلت على العوض حسا فمثل قولك ( بعتك هذا الثوب بهذا ) فمدخول الباء هو العوض والثمن ، وأما التي دخلت على العوض معنى فمثل قولك ( كافأت إحسانه بالشكر ) أو ( قابلت بره بمثله ، أو بضعفه ) . فإن قلت : فإني أجد بين باء التعويض والباء الدالة على السببية التباسا ، فافرق لي بينهما حتى أميز إحداهما عن الأخرى أدق التمييز . فالجواب عن ذلك أن نقول لك : انظر إلى مدخول الباء ، فإن رأيته قد يعطى بعوض وقد يعطى مجانا فاجعل الباء للعوض ، وإن كان لا بد من حصوله بسبب حصول ما قبله فاجعل الباء للسببية ، لأن طبيعة الأمور أن ما يعطى بعوض لا يمنع العقل جواز إعطائه مجانا ، وأن ما يعطى بسبب لا بد من إعطائه متى حصل سببه . ومن أجل هذا حمل أهل السنة الباء في قوله تعالى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ على أنها للعوض ، وحملوا الباء في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله » على أنها للسببية ، فالآية الكريمة تدل على أن دخول الجنة قد يكون مجانا فضلا من اللّه وإحسانا ، والحديث يدل على أن العمل ليس سببا موجبا لدخول الجنة ، وبهذا تعلم أنه لا تعارض بين الآية والحديث .